عندما تبني الهرم من القمة.. وتدير اقتصاد العراق بعقلية «البقالة»!
علي الربيعي* الاقتصاد ببساطة: 1 + 1 = 2 لا يحتاج فهم الأزمة المالية العراقية إلى مصطلحات معقدة أو استعراض نظريات اقتصادية؛ فالمعادلة أبسط من كل ذلك.

عندما تبني الهرم من القمة.. وتدير اقتصاد العراق بعقلية «البقالة»!
علي الربيعي*
الاقتصاد ببساطة: 1 + 1 = 2
لا يحتاج فهم الأزمة المالية العراقية إلى مصطلحات معقدة أو استعراض نظريات اقتصادية؛ فالمعادلة أبسط من كل ذلك: إذا تجاوز إنفاقك إيراداتك باستمرار، واعتمدت على مورد واحد، وأهملت مصادر الدخل الأخرى، ثم عالجت العجز بالاقتراض وتأجيل الإصلاح، فأنت لا تدير اقتصاد دولة، بل تدوّر الأزمة وتدفع فاتورتها من مستقبل الناس.
هذه هي أبجديات المالية العامة، لكن ما نشهده في العراق هو محاولة بناء الهرم من قمته، مع تجاهل الأساسات التي يفترض أن تحمله. فبدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية، وضبط الإنفاق، وتنويع الإيرادات، تستمر السياسات التي تُراكم الالتزامات وتؤجل المواجهة، فيما لا يزال المواطن يدفع ثمن إخفاقات الحكومات المتعاقبة.
صندوق النقد الدولي: العلاج يبدأ من الداخل
كنا سندعم خطوات الحكومة نحو صندوق النقد الدولي لو جاءت ضمن برنامج إصلاح حقيقي، لا باعتبارها وسيلة لتغطية العجز التشغيلي وتأمين الرواتب، بينما تبقى أسباب الأزمة على حالها.
الاستعانة بالصندوق ليست خطأً بحد ذاتها؛ بل يمكن أن توفر إطاراً للإصلاح والرقابة والانضباط المالي. لكن المشكلة تبدأ حين تطلب الدولة دعماً خارجياً، بينما ترفض اتخاذ القرارات الضرورية في الداخل، أو تصطدم مصالح الإصلاح بشبكات النفوذ السياسي.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بضبط الإنفاق، وإصلاح الجمارك والضرائب، وأتمتة المعاملات والتحصيل، وتقوية القطاع المصرفي، ومكافحة التهريب، والحد من الفساد، وتنويع الإيرادات بعيداً عن النفط. وبعد ذلك يمكن الاستفادة من الصندوق بوصفه جهة رقابية وضاغطة تساعد على تثبيت مسار الإصلاح، لا بديلاً عن الإرادة السياسية.
أما أن تقفز الحكومة إلى الصندوق لتغطية نفقاتها، ثم تتردد في مواجهة المصالح التي تستنزف الدولة، فهذا تناقض لا يمكن تسويقه بوصفه إصلاحاً.
الأمر يشبه مريضاً يراجع الطبيب، ثم يرفض الدواء ويلتزم بالعادات التي أمرضته. فمجرد زيارة الطبيب لا تعني التعافي، كما أن توقيع الاتفاقات وعقد الاجتماعات لا يعنيان أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.
لا يستطيع صندوق النقد إصلاح ما ترفض السلطة إصلاحه بنفسها. والتغيير، كما تقول القاعدة القرآنية، يبدأ من الداخل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
كواليس الموازنة: تدوير الأزمة وبيع الأوهام
رغم محاولات الحكومة الحالية تقديم نفسها بوصفها مختلفة عن حكومة الإطار الأولى برئاسة محمد شياع السوداني، فإن المسار المالي يكشف استمرار الاختلالات ذاتها: إنفاق متضخم، واعتماد مفرط على النفط، وفساد يحيط بمفاصل الدولة، وعجز يُرحّل بدلاً من معالجة أسبابه.
وتزداد خطورة هذا النهج حين تُبنى التقديرات المالية على افتراضات متفائلة بشأن الأزمات الإقليمية وأسعار النفط؛ كأن انتهاء حرب أو انحسار أزمة في مضيق هرمز سيضمنان استمرار الإيرادات عند مستويات مريحة تكفي لتغطية الثقوب المالية.
هذه ليست إدارة رشيدة للمخاطر، بل مقامرة بأموال الدولة والناس. فالموازنة لا تُبنى على ما تتمنى الحكومة حدوثه، بل على تقديرات واقعية تأخذ في الحسبان أسوأ الاحتمالات، وتمنح الاقتصاد قدرة على الصمود حين تتراجع الإيرادات.
أما عقلية «اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب»، فقد تصلح للسخرية، لكنها لا تصلح لإدارة دولة تعتمد موازنتها على مورد متقلب، وتواجه التزامات مالية متزايدة.
العبادي والكاظمي: دروس من تجارب قريبة في التاريخ، بعيدة عن واقع سلوكيات الحاضر!
عند مراجعة التجارب المالية السابقة، نجد أن الظروف الصعبة لم تكن غائبة عن الحكومات التي سبقت الحكومة الحالية؛ لكن التعامل مع تلك الظروف لم يكن واحداً.
حكومة حيدر العبادي واجهت انهيار أسعار النفط والحرب على تنظيم داعش، واضطرت إلى اتخاذ إجراءات تقشف وضبط للإنفاق في ظل ضغوط مالية وأمنية شديدة. ورغم تعقيدات تلك المرحلة، فإنها أظهرت أن ضبط المصروفات يصبح ضرورة عندما تتراجع الإيرادات، لا خياراً يمكن تأجيله بلا نهاية.
أما حكومة مصطفى الكاظمي، فرغم الصراعات السياسية والأزمة الاقتصادية التي رافقت بدايتها، شهدت أرصدة الحسابات العراقية المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ارتفاعاً من نحو 40 مليار دولار إلى أكثر من 97 مليار دولار بحلول عام 2022. ويجب التمييز هنا بين أرصدة تلك الحسابات واحتياطيات البنك المركزي العراقي، فهما مؤشّران ماليان مختلفان.
ليس المقصود منح أي حكومة صك نجاح مطلق أو تجاهل الظروف التي أثرت في الإيرادات، بل الاستدلال على أن إدارة الموارد والسيولة والانضباط المالي عوامل مؤثرة في قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الدولة قد استطاعت تحسين أرصدتها في مرحلة سابقة، فلماذا يُقدَّم العجز اليوم وكأنه قدر لا يمكن التعامل معه إلا بالاستدانة، أو الضغط على المواطن، أو تأجيل الاستحقاقات؟
أين الأربعون مليار دولار؟ ولماذا تتوقف المحاسبة عند أبواب السياسة؟
كيف تعلن الدولة عجزها عن توفير الأموال اللازمة لتمويل نفقاتها، بينما تُطرح تقديرات لثروات تتجاوز 120 مليار دولار لدى ما لا يقل عن عشرة سياسيين وواجهاتهم الاقتصادية من الصف الثاني، وسط ملفات وأدلة تستوجب التحقيق والمحاسبة؟
إذا كانت هناك إرادة حقيقية للإصلاح، فإن فتح ملفات الثروات المشبوهة، والتحقيق في مصادرها، واسترداد الأموال التي يثبت قانونياً أنها ناتجة عن الفساد أو الاستيلاء غير المشروع على المال العام، يجب أن يكون في مقدمة الأولويات.
إن استرداد 40 مليار دولار من الأموال القابلة للاسترداد قانونياً سيمثل مورداً كبيراً يمكن أن يخفف ضغط العجز، ويمنح الدولة مساحة أوسع لمعالجة أزمتها المالية. وهذا لا يعني أن كل ثروة كبيرة غير مشروعة، بل يعني أن كل ثروة تثير شبهات جدية يجب أن تخضع للتحقيق، بعيداً عن الحماية السياسية والتسويات.
ولا يتوقف الإصلاح عند استرداد الأموال؛ بل يشمل أتمتة التحصيل، وإغلاق منافذ استنزاف العملة، وإصلاح الجمارك، ومكافحة التهريب، وتجفيف مصادر الهدر المستمر. فالدولة التي تريد إنقاذ موازنتها لا تكتفي بالبحث عن أموال ضائعة، بل تمنع استمرار ضياعها.
لكن السؤال الأكثر إحراجاً يبقى: ما الذي يمنع فتح هذه الملفات حتى النهاية؟ أهو نقص الأدوات القانونية، أم غياب القدرة، أم أن المحاسبة تصطدم بتوازنات سياسية لا تريد المنظومة المساس بها؟
حين يُطلب من المواطن تحمّل أعباء الأزمة، بينما تبقى ملفات الفساد الكبرى بعيدة عن المحاسبة الحاسمة، يصبح الحديث عن العدالة المالية ناقصاً، وتتحول دعوات التقشف إلى عبء أحادي الجانب.
الخلاصة: دولة بثروة نفطية وعقلية دكان
المشكلة في العراق ليست نقص الثروة النفطية، بل طريقة إدارتها. فلا تنمية مستدامة مع إنفاق غير منضبط، ولا إصلاح مالي من دون مواجهة الفساد، ولا استقلال اقتصادي حقيقي مع استمرار الاعتماد المفرط على النفط والاقتراض لتغطية الاختلالات.
واللجوء إلى صندوق النقد الدولي، مهما كانت مبرراته، لن يكون بديلاً عن إصلاح يبدأ من الداخل، ولا يمكن لأي اتفاق خارجي أن يعوّض غياب الإرادة السياسية أو أن يحل محل محاسبة المتنفذين.
الدولة الرشيدة لا تنتظر اشتداد الأزمة لتبحث عن حلول ترقيعية، ولا تطالب المواطن بالتضحية قبل أن تراجع إنفاقها وتغلق منافذ الهدر وتلاحق الأموال التي يثبت أنها نُهبت من المال العام.
العراق لا يحتاج إلى من يجيد تدوير الأزمة، بل إلى من يجرؤ على معالجة أسبابها. لا يحتاج إلى موازنات تُجمّل الأرقام، بل إلى إدارة تحمي المال العام، وتحوّل الثروة النفطية إلى اقتصاد قادر على الاستمرار.
فحين يُبنى الهرم من القمة، وتُترك الأساسات للفساد والمحاصصة وسوء الإدارة، لا يسقط الهرم وحده؛ بل يسقط معه مستقبل أجيال كاملة.
*جميع الاراء تعبر عن مسؤولية كاتبها.



